عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

73

معارج التفكر ودقائق التدبر

إليكم واضحة جليّة ، وما لم تفهموه منها فعلينا أن نبيّنه لكم حتى تفهموه ، ولسنا مكلّفين أن نجبركم على الاستجابة لدعوتنا ، ولا أن نلزمكم باتّباعنا وأنتم له كارهون . وَما عَلَيْنا : أي : وما يجب علينا . إِلَّا الْبَلاغُ : أي : إلّا تبليغ رسالة كلاميّة ذات مضمون فكري ، فإن شئتم استجبتم ، وإن شئتم أبيتم ، فلا جبر ولا قهر ، بل عرض وتخيير . البلاغ : اسم بمعنى المصدر الّذي هو الإبلاغ أو التّبليغ ، وهو في اللّغة : إيصال رسالة كلاميّة أو غير كلاميّة ، إلى من أرسلت إليه . الْمُبِينُ : أي : الواضح الظاهر ، والموضح المظهر . و « مبين » اسم فاعل من فعل « أبان » وهذا الفعل يأتي لازما ومتعدّيا ، فيقال : أبان الشّيء ، بمعنى ظهر واتّضح . ويقال : أبان فلان الشيء ، بمعنى أظهره وأوضحه . واللّفظ هنا في الآية صالح لإرادة المعنيين معا . إذ الرّسالة الّتي على الرّسل أن يبلّغوها ظاهرة واضحة ، وإذا خفي على المبلّغين منها شيء ، فعلى الرّسل إبانة ذلك وإظهاره وتوضيحه . وقد دفع الرّسل الثلاثة بهذا الجواب الثاني ظنون القوم بهم ، الّتي تدور حول سعيهم ، لاتخاذ وسائل الإكراه على الدّين الجديد ، كما يفعل أصحاب المذاهب الإنسانية الضّالة الفاسدة الباطلة ، وتدور حول اتّهامهم بأنّ انتشار دعوتهم وقبول الناس لها ، سيمكّنهم من تحقيق أهدافهم ، في الظفر بمنافع ومصالح عند أصحاب القرية ، منها المال والجاه والسّلطان . وصيغة : وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 ) صيغة حصر بالنفي والاستثناء ، ويفهم من هذا الحصر أنّهم غير مأمورين ولا مأذون لهم ، بأن يقوموا بوسيلة ما من وسائل الإلزام والإكراه على قبول أهل القرية لما